حدود مصر أطراف بلا حياة.. القصير: مدينة بلا مياه ولا خدمات صحية وأهلها: نعيش فى أفضل حال.. سفاجا: الجبل يحتضن أهالى زرزارة والسائقون يشكون فساد مجلس المدينة.. رأس غارب: تعوم على البترول وأبناؤها يئنون

السبت، 18 فبراير 2012 - 20:06

حدود مصر أطراف بلا حياة حدود مصر أطراف بلا حياة

تحقيق محمد فتحى - شارك فى التحقيق - أحمد عوض - تصوير عمرو دياب

تذوق المحافظات الحدودية فى مصر من كأسٍ مُرة تمررها على شفاه أبنائها جميعًا، يحوى المركزية التى تختزل فى كثير من الأوقات الوطن بأكمله فى العاصمة ومدينة أخرى أو مدينتين على أقصى حد، وفى البحر الأحمر التى تضم مدن الغردقة ورأس غارب والقصير وسفاجا ومرسى علم وشلاتين تأبى المحافظة إلا أن تكون نموذجًا مصغرًا لمصر ينبض قلبها فى العاصمة الغردقة ولا تصل الدماء إلى باقى أجزاء الجسد.

ثلاث مدن قمنا بزيارتها خلال تواجدنا فى البحر الأحمر، هى القصير وسفاجا ورأس غارب، الثلاث تجمعها سمات مشتركة أبرزها نقص الخدمات الصحية لأبناء تلك المدن التى إن أصيب أى مواطن فيها بمكروه يتم تحويله مباشرة إلى الغردقة ليعالج فيها، لكل مدينة من تلك المدن خصوصية اجتماعية أو سياسية.

◄القصير

البداية من القصير، وهذه المدينة لن يرتكز حديثنا عنها على نقص الخدمات فقط، لأن نقص الخدمات ليس أزمة كبيرة هناك، بل الأزمة، كل الأزمة، فى الشخصية القصيرية «إن صحت التسمية» تلك الشخصية الهادئة المسالمة والقانعة إلى حد ربما يستفز كثيرين.

هذه ثلاثة مشاهد تظهر فيها شخصية المواطن القصيرى بوضوح.. الأول: «أمام شركة المياه، تقف سيارة حمراء يترجل منها شخص يصطحب معه جراكن ويقف أمام صنابير المياه، ثم يملأ «جركن» تلو الآخر، حاولنا التحدث معه عن أزمة المياه العذبة التى يعانى منها أبناء القصير جميعهم فقال: «إحنا ما بنتكلمش مع صحافة سواءً كنتم مراسلين أو صحفيين جايين من مصر».



المشهد الثانى: «أمام شركة المياه ذاتها، وقف شاب نحيل الجسد يملأ هو الآخر جراكن المياه، حاولنا هذه المرة التحدث وانتزعنا الكلمات من فمه، فتحدث على استحياء لكنه رفض نشر حديثه، وقال إن هذه معلومات إن أردتم ذكرها فلا تنسبوها إلىّ، وبعد إلحاح وافق على نشر اسمه الأول وهو «ياسر» وردد: «إحنا هنا بنخاف من الصحافة وما بنحبش المشاكل».



المشهد الثالث والأخير، على لسان محمد الطيب عضو حزب التيار المصرى من ساكنى المدينة: «فى 11 فبراير من العام الماضى، وبينما تحتفل مصر كلها بتنحى الرئيس السابق مبارك ظلت القصير صامتة لم يُهتف فيها هتاف واحد للتعبير عن السعادة بسقوط مبارك أو حتى الحزن لخلعه من منصبه، وظل أهالى القصير فى منازلهم لم يغادروها».

يضيف الطيب: «أهل القصير لديهم خصوصية.. يخافون وسائل الإعلام ولا يريدون التحدث معها حتى لو كانت تحاول إيصال أصواتهم إلى المسؤولين للتعريف بمدى المعاناة التى يعيشونها، يرفضون جميعهم التظاهر مهما كانت أشكاله أو أهدافه ويتربصون بالمتظاهرين حتى لو طالبوا بحقوق أساسية فى العيش والحياة».

أزمة المياه العذبة تأتى على قمة المشاكل التى يعانيها أبناء القصير، فالمدينة التى يفصلها عن الغردقة 140 كيلومترًا، تعتمد على خط مياه عذبة وحيد قادم من الصعيد، بالإضافة إلى شركة لتحلية مياه البحر وكلاهما غير كاف لسداد احتياجات أبناء القصير.

وشرب المياه العذبة مُحرم على أبناء هذه المدينة، فالخط الذى يغذيها بماء عذبة حين يصل إلى القصير يتم خلط مياهه بمياه البحر المُحلاة، وناتجهما هو أفضل مياه تدخل جوف القصيريين، وهذه المياه المخلطة تصل للبيوت يومًا واحدًا كل أسبوعين، وما عدا ذلك تعتمد البيوت على مياه البحر المُحلاة.



يصف ياسر، الشاب الذى وافق على ذكر اسمه، المياه المحلاة قائلاً: «طعمها سيئ للغاية، واستخدامها فى الطعام يُغير من طعمه لكننا مضطرون». مضيفًا: «لون المياه المحلاة وطعمها يختلفان من منطقة لأخرى». مؤكدًا أن هناك منازل تستخدم مياهًا صفراء اللون ويقومون بتسخينها لقتل الميكروبات الموجودة بها قبل استخدامها.

ويضطر سكان القصير أجمعهم للاعتماد على مجموعة من صنابير المياه المتواجدة أمام شركة المياه بالمدينة، وتقدم هذه الصنابير مياهًا مُخلطة بين العذبة والمحلاة وتعمل فى النهار فقط، والساعات الأولى من الليل، فى حين يلجأ بعض سكان المدينة لشراء زجاجات مياه معدنية خوفًا من تعرضهم لأمراض أو إصابات نتيجة شرب المياه المُحلاة أو المختلطة.




وتعانى القصير، أكثر من غيرها من المدن، من أزمة رصف وتسوية الطرق وتوصيل شبكات الصرف الصحى للمنازل، ففور دخولك المدينة تجد أن شوارع القصير جميعها، عدا شارع أو اثنين، غير مستوية، كما أن البالوعات مرتفعة عن سطح الأرض، ما يتسبب فى إتلاف كثير من سيارات أهالى المدينة.




فى شارع المغرب، بجوار مستشفى القصير، وقفت مجموعة من السكان يحمل كل منهم فى يديه فأسًا أو عصا أو أدوات للتنظيف، يحاولون تسوية الأرض بعدما قامت شركة الصرف الصحى المسؤولة عن حفر وشق الطرق بـ «تدمير الشارع» على حد قول أبنائه.

يقول عماد على، من سكان شارع المغرب: «هذا المكان لا تستطيع السير عليه بأقدامك فما بالك بالسيارات، نقوم بأنفسنا بمحاولة تسويته ونساعد بعضنا البعض لإصلاح ما أفسدته الشركات المسؤولة عن توصيل الصرف الصحى أو شركات المياه» مضيفًا: «كل المقاولين المسؤولين عن الصرف والمياه لا يؤدون دورهم بما يرضى الله وليس لنا سبيل إلا أن نصلح ما يفسدونه» وتابع: «الناس هاين عليهم تطلع الستات تشتغل معاهم من البيوت لأننا واقفين بقالنا أكتر من ست ساعات ونفسنا نستريح».




وقال على إن أبناء القصير يأملون أن يقوم مجلس الشعب المقبل بخدمتهم وإدخال الخدمات الأساسية لهم حتى يتمكنوا من العيش فى كرامة وعزة.

ومن الطرائف فى القصير أن البالوعات الكثيرة المنتشرة فى الشوارع لا تعمل، وهو ما دفع «على» للتساؤل: «منذ سنوات وهم يحفرون الطرق من أجل شبكة الصرف الصحى، ورغم ذلك كل البيوت تستخدم «طرنشات» للتخلص من آثار الصرف».

يُذكر أن %40 من منازل القصير تم توصيل شبكة الصرف الصحى إليها قبل فترة، ولكن حتى الآن لم تعمل هذه الشبكات.



فى نهاية حديثنا مع عماد على، وهو من القلائل الذين وافقوا على التحدث معنا، توجهنا إلى مستشفى المدينة للتعرف على معاناة أبناء المدينة فى مجال الخدمات الصحية.

ذهبنا إلى مستشفى القصير الذى يوجد أمام أبوابه سوق للخضار، بالداخل لم نر أى طبيب أو ممرضين، اللهم إلا ممرضة واحدة قالت لنا إن الأطباء «مستريحين فى غرف نومهم لأن ده وقت الراحة» وطبيب شاب رفض الإجابة على تساؤلاتنا فيما يخص المستشفى وأوضاعه مؤكدًا أن «الحديث مع الصحافة قد يعرضه لعقوبة من مسؤولى المستشفى».

ولا يوجد بمستشفى القصير، التى يفترض أن تخدم إلى جوار أهالى هذه المدينة سكان شلاتين، جهاز أشعة مقطعية، وكل الحالات التى تحتاج إلى أشعة مقطعية يتم تحويلها إلى مستشفى الغردقة على بعد يزيد على 140 كيلو مترًا، ولا يتواجد به سوى جهاز صدمات كهربائية وحيد، إضافة إلى أن المستشفى يمر عليه أشهر دون أن يتواجد به مسؤولون عن تخصصات معينة كالرمد أو التخدير وفقًا لما ذكره الأهالى، ما يدفعهم للذهاب مباشرة للغردقة.



يقول محمد الطيب، عضو حزب التيار المصرى، إن أكثر من يتعرضون للإصابة بالمنطقة «تم تجبيس أذرعتهم وأرجلهم بطريقة خطأ بسبب الإهمال المتواجد فى المستشفى» مضيفًا: «هنا فيما عدا الجروح الطفيفة، والأمراض البسيطة المعتادة كالبرد والأنفلونزا وغيرهما نضطر للجوء إلى الغردقة وبعض السكان يذهبون لمستشفى استثمارى تم إنشاؤه مؤخرًا على ضفاف المدينة، ولكن أسعاره مرتفعة لا تتحملها إلا فئة معينة من السكان.

قبل الرحيل عن المدينة الهادئة، التى تمتلك شاطئًا خلابًا لا تتواجد عليه أى قرى سياحية، قال لنا الطيب: «سكان المدينة حين زارهم المحافظ قبل أشهر كانوا «مش مصدقين» لأنهم لم يزرهم من قبل أى محافظ ولم يستمع إلى شكواهم أحد، ورغم ذلك راضون بما هم فيه ويتكيفون مع الأزمات ويبحثون بأنفسهم عن حلول لها».

◄سفاجا

محاولات الدولة للإصلاح والتطوير تكون فاشلة، هى دائمًا غير مدروسة ولا محسوبة عواقبها، والشعب دائمًا هو من يدفع الثمن، كان هذا لسان حال سائقى الأجرة فى مدينة سفاجا بمحافظة البحر الأحمر، تعقيبًا على محاولات نقلهم إلى موقف آخر بعيد عن مدخل المدينة.

تبدأ ملامح الحياة فى مدينة سفاجا الهادئة عند موقف الأجرة الملاصق لمبنى مجلس المدينة، وفيه يكتظ السائقون فى مساحة ليست كبيرة، لكنها تكفيهم، يتناقشون بين الحين والآخر عن ذلك الموقف المقرر نقلهم إليه يقول محمد أبوالوفا، أحد السائقين: «المحافظة تقوم بإنشاء موقف جديد، لكنه فى مكان ناء وبعيد عن قلب المدينة، وهذا يُجهد الركاب ويصعب تنقلاتهم، وهو فى الوقت ذاته يفتح الباب أمام السرقة فى العمل». مفسرًا: «ما الذى يجبر راكبًا على الذهاب إلى طرف المدينة، سيقف أمام الموقف القديم وسيقوم بعض السائقين بتحميل الزبائن من أمامه».



وتساءل السائق نفسه: «لا أعرف من فكر بهذه الطريقة، الموقف الجديد بعيد وغير آمن فالمنطقة المتواجد بها معرضة للسرقة، لأن بجوارها جبال، كما أن الموقف لا تتواجد به خدمات للركاب».

ويقول حسن عبدالنبى: «إذا كان السائق منا حاليًا ينتظر أكثر من عشر ساعات كاملة حتى يجىء دوره ثم يقوم بتحميل الركاب، فماذا سيحدث حين يتم نقلنا إلى الموقف البعيد؟ هل سنستغرق يومًا كاملاً من أجل تحميل الزبائن؟ هذا أمر عجيب، من الممكن إذا أرادوا نقلنا أن يختاروا موقعًا أفضل، وهناك بالفعل أكثر من مكان يصلح، لكن المسؤولين لا يريدون اتخاذ القرارات الصائبة».

ويتشارك السائقون أيضًا فى شكوى أخرى، يحملون فيها الدولة أيضًا المسؤولية، وهى طريق «سفاجا - قنا» إذ يقولون إن طريق الموت - كما يلقبونه - ضيق للغاية، على الرغم من أنه «رايح جاى» وتحدث فيه حادثة أسبوعيّا على الأقل بسبب ضيقه وصغره الشديدين». ويضيفون: «تحدثنا مع مسؤولى مجلس المدينة أكثر من مرة سواء قبل الثورة أو بعدها، ولكن لم يحدث شىء».



يتكرر ثانية داخل محافظة البحر الأحمر اسم زرزارة، فبعد الحى العشوائى، الذى يطعن الغردقة فى قلب سياحتها وثرائها، توجد فى مدينة سفاجا الهادئة منطقة عشوائية صغيرة تحمل اسم زرزارة أيضًا، ولكن حالها أسوأ من سابقاتها بعشرات المراحل.

تتكون زرزارة الصغرى من مجموعة من المنازل المتهالكة التى تلاصق جبلاً مرتفعًا، والوصول إليها ليس سهلاً إذ يجب أن تقطع مسافة طويلة بالسيارة فى طرقات غير ممهدة مرتفعة لأعلى قبل أن تمر بنفق صغير فى قلب الجبل تعبر منه إلى أهالى هذا الحى.

المياه تصل ساكنى هذا الحى يومين فقط فى الأسبوع، السبت والاثنين، لا تصلهم عبر مواسير تنقلها إلى الصنابير المتواجدة داخل المنازل، كما قد يتبادر إلى الذهن، لكنها تصل فى مجموعة من البراميل، إذ يخصص لكل منزل خمسة براميل كل مرة، أمّا الصرف الصحى فلا توجد قدرة مالية لدى أكثر الأهالى على إقامة آبار يتخلصون فيها من الصرف بنظام «الطرنشات» التقليدى ولكنهم يخصصون مكانًا فى منازلهم «أو فى الخلاء خارج المنزل وبعيدًا عن الأعين» لقضاء حاجتهم فيه ثم «ترشح إلى الجبل» على حد تعبيرهم.

نجاة أحمد، تسكن فى زرزارة منذ 11 عامًا وزوجها مريض لا يقوى على العمل، وتقول: «المسؤولون جاؤوا إلى زرزارة أكثر من مرة، ووعدونا كثيرًا بإيجاد حلول لكل الأزمات التى تواجهنا سواء بتوفير مساكن بديلة أو إدخال الخدمات الأساسية لمنطقتنا، ولكن لا هذا حدث ولا ذاك». وتستطرد: «المياه التى توزع علينا أحيانًا لا تكفينا، ولا يوجد صرف صحى، ولا غاز طبيعى، ولا حتى أنابيب، لأن المسؤولين عن بيع الأنابيب يشق عليهم الصعود لزرزارة لبعدها ووعورتها، وأقرب مخبز يفصلنا عنه أكثر من كيلومتر» وعلّقت: «الحياة هنا لا تطاق».




يشير منصور سيد - 47 عامًا - يعمل «شيّال» إلى أزمة أخرى يعانيها أبناء الحى، وهى رفض سيارات الإسعاف الصعود إليهم حال طلبهم نقل أى مريض، ما يدفعهم لاستئجار سيارة، و«ثمنها باهظ يكلفهم عشرة جنيهات»، مضيفًا: «نحلم بالرحيل عن هذا المكان، وتقدمنا بطلبات كثيرة للحصول على أراضٍ فى أى مناطق آدمية، لكن أحدًا لم يستجب لنا على الإطلاق».

نطوى صفحة زرزارة، وننتقل إلى حديث المدينة «مستشفى سفاجا»، الذى يقول سكان سفاجا إن مهمته تحولت من مستشفى لعلاج المرضى إلى مكان يتم من خلاله تحويلهم للغردقة لعدم توافر الأطباء والأجهزة اللازمة معًا.



يشرح مصدر طبى داخل المستشفى، طلب عدم ذكر اسمه، تفاصيل الأزمة قائلاً: «الأزمة لا ترتبط بالمستشفى تحديدًا، لكن بالمنظومة الصحية عمومًا، نحن هنا فى سفاجا نفتقد الكوادر الطبية المؤهلة، والأطباء المتواجدون هنا نوعان، إما نواب أو أطباء قدموا للحصول على ترقية، وعدم الاهتمام بإرسال كوادر قوية ومؤهلة أمر يعود فى الأساس للجهات العليا فى المنظومة الصحية»، وتابع: «هنا، يتواجد أغلب التخصصات، وليس جميعها، فمثلاً نفتقد لأخصائى أشعة، والفنيون هم من يتولون الأمر، وكذلك بالنسبة لأمراض القلب لا يوجد أخصائى لدينا».

وأضاف: «طلبنا كثيرًا إرسال أطباء فى كل التخصصات وإرسال ممرضين لأن لدينا ثلاثة ممرضين والمستشفى فى حاجة إلى 7 ممرضين على الأقل، ولكن أحدًا لم يعرنا انتباهه».



الحاج عطيتو فؤاد عبدالمطلب، زوجته مُصابه بفيروس C، وتتواجد فى غرفة العناية المركزة بمستشفى سفاجا، يؤكد أنه عانى من أجل الحصول على بلازما لإنقاذ زوجته ولم يجد فى المستشفى بأكمله فقام بإرسال أحد أبنائه إلى الغردقة لشراء أكياس بلازما من هناك لعلاج الحالة.

◄رأس غارب

يسود فى مصر اعتقاد أن الشباب إذا عملوا فى قطاع البترول فقد فُتحت لهم أبواب السعادة والخير، وأن شركات البترول سواءً كانت حكومية أو غير ذلك هى الضمان الأساسى للاستقرار المادى لكثير من المصريين، وفى مدينة رأس غارب بالبحر الأحمر، والتى يستخرج منها قرابة ثلث إنتاج مصر من الذهب الأسود، يحلم أبناؤها بالعمل فى هذا القطاع الثرى ولكن أحلامهم تتحطم على صخرة الواقع.



رأس غارب، مدينة صغيرة من مدن محافظة البحر الأحمر الحدودية، آبار البترول تملأ سواحلها والمحاجر تتناثر فى جنباتها، ورغم ذلك يجلس شبابها عاطلين يبحثون يمينًا ويسارًا عن عمل فلا يجدون، لأن المدينة البترولية لا تحوى شركات أو مصانع عدا شركات البترول التى لها حسابات خاصة فيما يتعلق بالتعيينات بداخلها.

قبل أشهر حاول شباب رأس غارب، الذين يعانون من البطالة، التحرك مطالبين رئيس مجلس المدينة والمحافظ بالتعيين فى شركات البترول المتواجدة فى المدينة أو فى أى وظيفة أخرى تضمن لهم مصدر رزق ثابت، لكن أحدًا لم يستمع لهم.

استمر الاعتصام، وقرر الشباب الذين وصل عددهم إلى 1200 تصعيد الأمر عن طريق قطع طريق الغردقة، وهنا بدأت الاستجابة لمطالبهم بتعيين 250 شابّا كدفعة أولى مع وعد بتوفير عمل للباقين على فترات، لكن لم يستجب لهم وسط أنباء مؤكدة عن قبول تعيينات جديدة فى مختلف شركات البترول المتواجدة فى المدينة على فترات.




«اليوم السابع» زارت المدينة الهادئة، ذات البيوت البسيطة والأيادى التى تبحث عن عمل، وحاولت التعرف على أسباب تلك الأزمة التى وحدت كثيرًا من أبناء رأس غارب، لماذا يطلبون العمل فى البترول تحديدًا؟ وهل تواجدهم فى المدينة يمنحهم أفضلية عن غيرهم ولو كانت كفاءاتهم أعلى؟

«مطلبنا عادل ومنطقى ويخدم مصلحة الدولة، لكن شبكة الفساد التى تكونت فى عهد النظام السابق حرمتنا من العمل فى شركات البترول، وجعلت القاعدة تعيين عاملين من كل المحافظات والمدن عدا رأس غارب». بتلك الكلمات بدأ محمد سيد من أبناء المدينة الساحلية حديثه عن أزمة العمل فى شركات البترول. أضاف: «رأس غارب مدينة بترولية، النشاط الوحيد المتواجد بها هو العمل فى شركات البترول، لا توجد لدينا مصانع لأى أنشطة أخرى أو زراعة، لذلك فالمنطق يقول إننا سنعمل فور تخرجنا فى الجامعات والمعاهد فى تلك الشركات، كلّ فى تخصصه سواءً الحسابات أو الهندسة أو أى شىء آخر» مفسرًا: «حين تُـحضر عمالة من مدن أخرى فأنت تتحمل أعباءً إضافية متمثلة فى المساكن التى ستوفرها لهم وغيرها من النفقات، لكن حين تعتمد على أبناء البلد توفر على نفسك الكثير من النفقات».



«أول سؤال يُسأل لك عندما تتقدم لوظيفة فى إحدى شركات البترول هنا: إنت منين؟ وإن كانت إجابتك من رأس غارب يكون الرد: شكرًا مش عايزين».

«هل تفضل شركات البترول الاعتماد على عمال من خارج المدينة بسبب كفاءتهم؟».. سؤال طرحناه على الشباب المعتصمين أمام مبنى مجلس المدينة، وجاء الرد على لسان شاب يدعى محمود سعد قائلاً: «الطفل الصغير فى غارب يعلم تفاصيل عن العمل بالبترول يجهلها فنيون ومتخصصون فى شركات كبرى» وفسر: «لقد نشأنا فى هذا المكان، فى صغرنا كان آباؤنا يحدثوننا عن البترول وعن كيفية العمل داخل الشركات وكيفية التنقيب والحفر وكيفية تجنب الغازات الضارة المنبعثة وغير ذلك». وقص سعد موقفًا يشرح الفارق بينهم وبين بعض المعينين فى الشركات الذين لا يعلمون شيئًا عن البترول قائلاً: «كان لى صديق يدعى محمود يعمل فى شركة خاصة، وكان يتعجب من الجهل المطبق لبعض الشباب الوافدين للعمل فى المجال، وفى يوم جاء إليهم شاب جديد وسألهم: «أين الكوريك الذى سأستخدمه فى الحفر والتنقيب؟». ويتابع: «هذا الشاب الذى يتصور أن التنقيب عن البترول يكون باستخدام الكوريك والفأس يتواجد مثله عشرات داخل الشركات» واستدرك: «لا أقصد الجميع، بالطبع هناك من لديهم خبرة كبيرة بالداخل».

عقب قيام ثورة الخامس والعشرين من يناير، قرر شباب غارب طرق الأبواب لمحاولة القضاء على البطالة المنتشرة بينهم، وكان البديهى بالنسبة لهم محاولة التعيين فى شركات البترول المتواجدة فى المدينة.




يحكى أحمد على تسلسل الأحداث منذ بدأت الفكرة فى رؤوسهم لمخاطبة المسؤولين مرورًا بالاعتصام ثم قطع طريق الغردقة مرتين نهاية بالوعود المتتالية التى تلقوها من المحافظ دون تنفيذ، قائلاً: «اجتمعنا أكثر من مرة بعد الثورة للبحث عن سبيل للقضاء على البطالة وقررنا مخاطبة المسؤولين، وبدأنا بالتحدث مع رئيس المدينة اللواء سعد، وهذا الرجل تسبب بصورة كبيرة فى عرقلة تعيين أبناء غارب».

وتابع: «الأزمة المتواجدة فى مدينتنا هى نفسها المتواجدة فى السويس، لكنّ أبناء السويس نجحوا بمساعدة محافظهم فى التعيين بعد الثورة بعد اعتصام وأحداث كثيرة» مضيفًا: «بعدما بدأ اعتصامنا بفترة استجابوا لجزء من مطالبنا وقاموا بتعيين دفعة أولى فيها 250 شابًا من أبناء المدينة فى ديسمبر الماضى، وقالوا وقتها إن الدفعة المقبلة ستكون قريبة للغاية».



ويتابع: «لم نتوقف بعد تعيين تلك الدفعة لأننا نعلم يقينًا أن الاستمرار فى الاعتصام والضغط المتواصل هما السبيل الوحيد لتعيين أبناء غارب». مضيفًا: «تفاجأنا بعد ذلك بأن هناك تعيينات جديدة فى شركات أخرى، وهذا ما زاد إصرارنا على الاستمرار وأطلقت مبادرة تهدف للتوصل إلى كل العاطلين من أبناء المدينة، وطالبت كلاّ منهم ببطاقته الشخصية لتصويرها والاحتفاظ بالصورة لتقديمها للمسؤولين، وخلال أسبوع واحد وصلتنى أكثر من 1200 بطاقة شخصية لشباب من مختلف الأعمار بدءًا من 23 عامًا وحتى 42 عامًا، بينهم مهندسون ومحامون وأصحاب مؤهلات متوسطة وغير ذلك، وبدأنا المفاوضات لكن على مستوى أعلى».

يواصل على قص تسلسل المفاوضات قائلاً: «توجهنا إلى المحافظة، وجلسنا مع اللواء سعد الذى أصبح سكرتيرًا للمحافظ وطالبناه بتعيين 1200 شاب من أبناء المدينة فكان رده علينا: «أنا لا أملك عصى موسى لأعين كل هؤلاء فى البترول»، ورد عليه المفوضون بالتحدث عن المعتصمين وعددهم خمسة بأن طلب التعيين فى شركات البترول يمثل أولوية كبرى للمعتصمين، لكن إذا لم تكن هناك فرصة لتوفير عمل لهم جميعًا فى البترول نطلب أن يعين جزء فى البترول وجزء فى وظائف أخرى.




«بدأنا بعد ذلك التواصل مع المحافظ شخصيّا، وجاء إلينا فى الاعتصام وتحدث معنا ووعدنا بإبجاد حلول وقال بالنص: «لو ما عرفتش أحل مشاكلكم يبقى أسيب منصبى أحسن».. يواصل أحمد حديثه مؤكدًا أنه منذ ذلك الحين ووعود المحافظ تتكرر، إذ أبلغهم مرة أنه سيجتمع مع رؤساء الشركات وقد يقطع عنهم الخدمات ما لم يستجيبوا له، ثم قال إن الاجتماع تأجل لعدم قدرته على جمع رؤساء الشركات، ثم وعدهم بمخاطبة وزير البترول ولم يقم بشىء أيضًا وهو ما دفعنا لقطع طريق الغردقة مرة ثانية فى الذكرى الأولى للثورة».







الأكثر تعليقاً